ميرزا جواد آغا الملكي التبريزي
310
المراقبات ( أعمال السنة )
نعيمها ، لذلك سمّي في الأخبار بمزرعة الآخرة ولعلّ إلى ذلك أشير أيضا في قوله تعالى : * ( هذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ وأتُوا بِهِ مُتَشَابِها ) * ( 1 ) . فجميع ما في عوالم البرزخ والقيامة ، ودار ثواب اللَّه من النعم الباقية ، الَّتي لا زوال لها ولا اضمحلال ، الَّتي لا نسبة بينها وبين نعم هذه الدنيا الدنيّة ، الَّتي ما نظر إليها خالقها مذ خلقها ، ولم يرضها لعباده في هذه الدنيا ، الَّتي ليست بدار ثواب منشإها وأصلها من هذا العالم ، فالعارف المراقب يرى ليوم دحو الأرض على نفسه شكرا بإزاء هذه النعم كلَّها . وحينئذ يعتقد عن حقيقة قلبه بأنّه لا يقدر على أداء حقّ شئ حقير من أجزاء جزء يسير منها ، ولو استعان في ذلك بجميع العابدين الشاكرين ، واشتغلوا بالشكر أبد الآبدين لا من جهة أنّ شكرهم أيضا من نعم اللَّه فهو أيضا يقتضي شكرا آخر بل من كثرتها وعظمتها ولطفها ، وإذا اهتدى العبد إلى هذه المعارف من مراتب نعم المنعم تعالى ، يكون عليه سمة العارفين بحقيقة عجزه وقصوره وتقصيره عن شكره تعالى ، واستحيا عن عدّ جهده - بلغ ما بلغ - شكرا وعرف قدر منّة اللَّه تعالى عليه في قبول هذا الحقير اليسير لشكر هذه النعم ، وشكره تعالى لهذا الشكر ، وعرف معنى اسمه الشكور ببعض المعرفة وإن كان معرفة كنه أسمائه تعالى محالا ، هذا . ومن عظائم تلك النعم جعل الكعبة بيتا لنفسه ، وإذنه للناس أن يقصدوا زيارته ، قبوله منهم ذلك لزيادته في الأجر والقبول والرضا ، ولعمري إنّ هذا غاية اللطف والرفق والكرم ، فإنّ البصير إذا تأمّل في معاني نسك الحجّ ، يهتدي بذلك
--> ( 1 ) البقرة : 25 . .